بقلم: د. أسماء عبدالسلام

لسنوات طويلة كان مشهد المحضر وهو يحمل الإعلان القضائي ويبحث عن عنوان المتقاضى هو المشهد الأشهر في المحاكم المصرية. اليوم، نحن أمام تحول تاريخي من المحضر إلى الهاتف.

هذا التحول هو جوهر ما حدث في الأسابيع الماضية، عندما صدر القانون رقم 160 لسنة 2026 بتأجيل العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 إلى 1 أكتوبر 2027، وبالتوازي صدر قرار وزير العدل رقم 47446 لسنة 2026 بإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية.

فلماذا أجلنا القانون؟ وهل العدالة الرقمية جاهزة فعلا؟

أولا: من المحضر إلى الهاتف.. ماذا يقول القرار 47446؟

القرار الجديد لا يلغي المحضر، بل يطور دوره. سيتم إنشاء مراكز متخصصة في كل محكمة، مهمتها الإعلان بالوسائل الحديثة الموثقة: الاتصال الهاتفي المسجل، والرسائل النصية المؤمنة، والبريد الإلكتروني القضائي المعتمد.

الهدف هو القضاء على أكبر مشكلة كانت تؤرق القاضي والمحامي والمواطن: بطلان الإعلان لعدم الاستدلال على العنوان، وتأجيل القضايا شهورا بسبب عدم وصول إعلان.

الدولة هنا لا تلغي الإجراء، بل تضمن وصوله.

ثانيا: إذن لماذا تم تأجيل القانون الجديد؟

هذا هو ذكاء القرار التشريعي. المشرع المصري عندما أقر القانون الجديد 174 لسنة 2025، وضع أساسا تشريعيا متكاملا للعدالة الرقمية. لكن التطبيق يحتاج بنية تحتية.

تخيل أن نطبق قانونا يسمح بالإعلان الهاتفي، ومراكز الإعلان لم تكتمل شبكتها بعد. هنا كان سيحدث ارتباك.

فجاء القانون 160 لسنة 2026 ليقول بمنتهى الحكمة: سنؤجل التطبيق عاما واحدا، نستثمره في تجهيز هذه المراكز وتدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامين عليها، حتى إذا بدأ القانون في 2027، يبدأ وهو يعمل بكفاءة 100%.

وهذا ما أكده القرار التنفيذي رقم 5209 لسنة 2026 لوزير العدل بتنظيم فترة الانتقال.

ثالثا: هل العدالة الرقمية جاهزة؟ الإجابة نعم.. وتتجهز

الإجابة على سؤال العنوان هي: نعم، العدالة الرقمية في مصر لم تعد فكرة، بل أصبحت واقعا يجري تجهيزه.

الدليل:

  • مراكز الإعلانات الهاتفية ستبدأ العمل فعليا من 1 أكتوبر 2026، أي قبل القانون الجديد بسنة كاملة، كمرحلة تجريبية وتدريبية.
  • وزارة العدل بدأت دورات التقاضي عن بعد بالتعاون مع نقابة المحامين.
  • النماذج الموحدة الجديدة صدرت بالقرار 470 لسنة 2026 لتتواكب مع الرقمنة.
  • نحن لا نؤجل لأننا غير جاهزين، نحن نؤجل لأننا نريد أن نكون جاهزين تماما. وهذا فرق كبير.

رابعا: ماذا يستفيد المحامي والمواطن والمستثمر؟

للمحامي: سينتهي كابوس إعادة الإعلان، وسيتمكن من تتبع إعلانه إلكترونيا بكل شفافية.

للمواطن: سيصله إعلانه بسرعة وعلى هاتفه الموثق، ولن تتأجل قضيته بسبب إجراء شكلي.

للمستثمر ونظرة التحكيم الدولي: هذه هي أهم نقطة. التحكيم الدولي وبيئة الاستثمار تقاس بمدى رقمنة العدالة وسرعة الإجراءات. عندما يرى المستثمر أن مصر تنشئ مراكز إعلان هاتفي وتؤجل قانونا ضخما لضمان جودة التطبيق، فهذه رسالة ثقة بأن التشريع المصري مستقر ويطبق باحترافية وليس بتعجل.

الخلاصة:
الانتقال من المحضر إلى الهاتف ليس مجرد تغيير أداة، بل هو انتقال من عدالة ورقية إلى عدالة رقمية. وتأجيل قانون الإجراءات الجنائية إلى 2027 هو الضمانة التي وضعتها الدولة لتقول إن العدالة الرقمية عندما تأتي، ستأتي مكتملة، تحفظ حق المتقاضي وتضمن حسن سير العدالة.

الدولة اختارت طريق الجودة، وهو الطريق الصحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *